
كأنها لعنة قديمة لا تفارق المجتمعات مهما تقدّم العلم وتنوّرت العقول. هكذا يمكن وصف علاقة الإنسان بالسحر والشعوذة، التي لا تزال تجد لها موطئ قدم في قلوب الملايين حول العالم.
وفي تقرير مثير نشرته الوكالة الإعلامية العالمية “وي ناو”، تم الكشف عن الدول التي تتصدّر استخدام السحر والشعوذة في العالم، في مفارقة تثير الدهشة والفضول معًا.
الهند في الصدارة.. والسحر جزء من الطقوس
التقرير أوضح أن الهند جاءت في المركز الأول عالميًا، باعتبارها الدولة التي ينتشر فيها السحر بمستويات مذهلة، ليس فقط كممارسة خفية بل كجزء من العقيدة الدينية لبعض الطوائف.
ففي الهند، يتداخل مفهوم الروحانيات مع طقوس “التانترا” و”المانترا”، وهي طقوس تُمارس منذ قرون لجلب الحظ أو الحماية من الأرواح الشريرة.
ويشير باحثون إلى أن بعض الهنود ما زالوا يعتقدون أن الكهنة والسحرة قادرون على تغيير المصير، أو معالجة الأمراض التي يعجز عنها الطب الحديث، في مشهد يعكس مدى عمق الموروث الغيبي في المجتمع الهندي.
المغرب.. السحر كتراث خفي
وفي العالم العربي، جاءت المغرب في مقدمة الدول العربية والثالثة عالميًا، وهي المرتبة التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المهتمين بالثقافة الشعبية.
فمن “العرافين” في الأسواق الشعبية إلى “الفقهاء” الذين يخلطون بين الدين والسحر، تظل المملكة واحدة من أكثر الدول التي تتشابك فيها الخرافة مع المعتقد الشعبي.
ولا يقتصر الأمر على القرى، بل يمتد إلى المدن الكبرى، حيث تنتشر مراكز “العلاج الروحاني” و”فك السحر” تحت لافتات دينية أو طبية، في مشهد يعكس تزاوج الإيمان بالخوف من المجهول.
مصر.. حضارة السحر التي لم تختفِ
المفاجأة أن مصر احتلت المركز السادس عالميًا، بعد دولٍ مثل نيجيريا وهايتي، رغم تطورها الثقافي والعلمي.
ويُرجع الخبراء هذا الترتيب إلى الجذور الفرعونية العميقة، حيث كان السحر جزءًا من الدين والعبادة. فالمصريون القدماء آمنوا بأن الكلمة قادرة على الخلق، وأن “الهكا” (السحر المقدس) أداة يستخدمها الكهنة للتقرب من الآلهة أو لحماية الملوك.
واليوم، ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال مصر تعيش صراعًا بين العلم والموروث، إذ تُنفق سنويًا أكثر من 22 مليار جنيه على أعمال السحر والشعوذة، بحسب تقديرات خبراء علم النفس، بينما يرى الدكتور عمرو يسري، استشاري الطب النفسي، أن الرقم قد يصل إلى 11 مليار دولار سنويًا إذا أُدرجت الأعمال الخفية غير المعلنة.
ظاهرة لا تختفي.. بل تتجدد
المثير أن انتشار التكنولوجيا لم يضع حدًا لتلك الظاهرة، بل جعلها أكثر “تطورًا”.
فبدل “العرافة” التقليدية، صار البعض يلجأ إلى “ساحر أونلاين” أو “قارئة تاروت” عبر التطبيقات، بينما تتزايد قنوات “فك العمل والسحر” على المنصات الرقمية!
ويرى علماء الاجتماع أن السحر لم يعد فقط وسيلة للبحث عن الحب أو الحظ، بل أصبح انعكاسًا لاضطراب الثقة والخوف من المستقبل.
في النهاية، يبدو أن السحر لا يعيش في الكهوف أو كتب التاريخ، بل يسكن في أعماق الإنسان نفسه، كلما ضاقت به الإجابات واشتدت عليه الأسئلة.
فمن معابد الهند إلى أزقة القاهرة، تبقى “لعنة الغيب” حاضرة، تبحث عن تصديق جديد في كل عصر.





